مجد الدين ابن الأثير

359

المختار من مناقب الأخيار

لا زيادة ولا نقصان . قال الجنيد : فقلت له : يا أبا الحسين ! لو لم تخرج كنت ترمي نفسك ؟ قال : نعم « 1 » . وقال عمر البنّاء البغدادي : لما كانت محنة غلام الخليل ، ونسب الصوفية إلى الزّندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم ، فأخذ في جملة من أخذ النّوري في جماعة أدخلوا على الخليفة ، فأمر بضرب أعناقهم ، فتقدّم النّوري مبتدرا إلى السيّاف ليضرب عنقه فقال له السيّاف : ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك ؟ قال : آثرت حياتهم على حياتي هذه اللّحظة . فتوقّف السيّاف والحاضرون عن قتله ، ورفع أمره إلى الخليفة ، فردّ أمرهم إلى قاضي القضاة ، وكان يلي القضاء يومئذ إسماعيل بن إسحاق ، فتقدم إليه النّوري وسأله عن مسائل في العبادات والطهارة والصلاة ، فأجابه ثم قال له : وبعد هذا للّه عباد يسمعون باللّه وينطقون باللّه ، ويردون باللّه ، ويصدرون باللّه ، ويأكلون باللّه ، ويلبسون باللّه ! فلمّا سمع كلامه بكى بكاء طويلا ، ثم دخل على الخليفة فقال : إن كان هؤلاء القوم زنادقة فليس في الأرض موحّد . فأمر بتخليتهم . وسأله السلطان يومئذ : من أين تأكلون ؟ فقال : لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق ، ونحن قوم مدبّرون « 2 » . وقال : من وصل إلى ودّه أنس بقربه ، ومن توصّل بالوداد اصطفاه من بين العباد « 2 » . وقالت فاطمة خادمة أبي حمزة والجنيد والنّوري - وكانت تلقّب زيتونة - قالت : جئت ذات يوم إلى النّوري - وكان يوما باردا شديد البرد والريح - فوجدته في المسجد وحده جالسا ، فقلت له : أجيئك بشيء تأكله ؟ قال : نعم هاتي . فقلت : أيّ شيء تشتهي أجيئك به ؟ فقال : خبز ولبن . فقلت :

--> ( 1 ) تاريخ بغداد 5 / 132 ، 133 . ( 2 ) طبقات الصوفية ص 169 والحلية 10 / 251 وتاريخ بغداد 5 / 134 .